محمد بن زكريا الرازي

مقدمة 12

رسائل فلسفية ( الرسائل الفلسفية )

الريحان البيروني كان قد أشار إلى أن الرازي ميّال لمذهب الهنود وآراء المزدكيين وتعاليم المانوية . « 8 » يبدو إذن أن هناك تضافرا لمشارب فكرية عديدة ساهمت في تكوين الوعي المعرفي عند الرازي ، فالرجل قد جمع في ذهنيته الفريدة مختلف ثقافات عصره وربط بينها في وحدة صميمية تنمّ عن وعي عميق بالوجود مغاير للوعي الديني بشكل جوهري . ينطلق الرازي في فلسفته « 9 » مما يسميه " قدم الخمسة " التي هي : اللّه ، والنفس الكلية ، والهيولى ، والمكان المطلق ، والزمان المطلق . وانطلاقا من ترابط هذه المبادئ الخمسة يتكون العالم . وإذا حاولنا الوقوف عند هذه المبادئ نلاحظ أن الرازي يؤكد على أزلية اللّه ، لكن اللّه كما يفهمه ها هنا مختلف جوهريا عن الإله الديني في اليهودية والمسيحية والإسلام وذلك لأن وجود النفس الكلية Universal Soul له بعد أزلي أكيد . دع أن كلا من الهيولى والمكان المطلق والزمان المطلق يتمتع بالقدر نفسه من الأزلية . فها هنا أزلية متعددة مساوقة لاختلافاتها تضاف إلى أزلية اللّه . ومن المهم الإشارة إلى أن استخدام مصطلح النفس الكلية يرجع إلى أفلاطون ( 427 - 347 ق . م ) ، الذي يعتبر أن النفس الكلية هي العلّة الأساسية في اتحاد المثل بالهيولى من أجل تكوين المحسوسات . بيد أن معنى النفس الكلية في الفلسفة الأفلاطونية غير محدد بشكل دقيق لأنه مختلط بتعابير أسطورية ، لكن يمكن أن نستنتج من الأحورة الأفلاطونية وبشكل خاص محاورتي " طيماوس " و " فدرس " أن النفس الكلية تقابل الإضافات الرياضية الموجودة من دلالة النظام في الكون عليها هذا النظام الناجم عن حركات الأفلاك . قيّض للنفس الكلية التمتع بالقدرة على الحركة والمعرفة ، فهي علة الحركة في الكون . « 10 » وقد تغيرت فكرة النفس الكلية عند الرواقيين ، أتباع الفيلسوف السوري زينون الرواقي ( 336 - 246 ق . م ) ، الذين يذهبون إلى أن للعالم نفسا " لأن العالم كائن حي مفكر عاقل ، ونفس العالم مبثوثة في كل مكان " . « 11 »

--> ( 8 ) - راجع فهرست كتب الرازي في رسالة البيروني ( مخطوطة ليدن رقم 33 ) . ( 9 ) - سوف تتضح معالم هذه الفلسفة للقارئ من خلال قراءة الكتاب الذي بين يديه بشكل كامل . ( 10 ) - للاستزادة راجع عبد الرحمن بدوي : " أفلاطون " ط 4 مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة 1964 ، ص 186 ، 185 ، 187 . ( 11 ) - عثمان أمين : " الفلسفة الرواقية " القاهرة 1945 ص 127 .